جميع حقوق النشر محفوظة

وليد بدران يكتب.. غُطس في عقل واحدة من “المواطنين الشرفاء”

المواطنين الشرفاء

المواطنين الشرفاء أمام نقابة الصحفيين – أرشيفية

في الرابع من مايو الجاري وخلال انعقاد الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين حاولت الوصول إلى مبنى النقابة فكان علي أن أمر بين حشد من المواطنين الشرفاء وقوات الأمن.
وخلال مروري وسط الحشد الهزلي الهستيري الخطير للمواطنين الشرفاء الذين رفعوا صور السيسي وأخذوا يقبلونها وهم يرقصون على أغنية تسلم الأيادي.. صاحت مواطنة شريفة في وجهي: يا كلب يا خاين يا عميل..

 

نظرت إليها في صدمة ودهشة والتقت عيوننا.. شابة هي في الثلاثينيات من الواضح أنها من حي شعبي ويبدو عليها الفقر والشراسة في آن واحد.. ذكرتني بشخصية صدفة بنت بعضشي الشهيرة في مسرحية سيدتي الجميلة لفؤاد المهندس وشويكار..

 

في اللحظة التي التقت فيها عيوننا شعرت بأنني أخذت غطس في عقل هذه المواطنة الشريفة جدا فهالني ما رأيت وصدمني ما قرأت في تلافيف ودهاليز مخها.. فتعال عزيزي القارئ وانضم لي في قراءة صفحات عقلها..

 

وتقول السطور المكتوبة في عقل المواطنة الشريفة:” يحدثوننا  دائما  عن الشر وأهل الشر .. عن المؤامرات وأهل المؤامرات ونحن المواطنون الشرفاء نصدقهم ونشاركهم الشعور بالخطر وضرورة التأهب لمحاربة الشر .. يسيطر علينا الشعور بالهلع والشك.. من ياترى هؤلاء الأشرار الذين يريدون لنا الهلاك؟ .. هؤلاء الشياطين الذين يريدون أن يقتلوا ابنتى وابنى ويريدوننى أن أعيش أرملة ذليلة .. سوف أموت جوعا ولن أجد حتى الخبز المتعفن لآكله بل حتى إن غصبت على نفسي لأكل أحشاء قطة مصابة بالجرب فلن أجد تلك القطة ستكون كل القطط قد ماتت بسبب القنابل” !.

 

وتضيف في هلع: “ماذا لو ماتت ابنتى فى الحرب .. أواه ياصغيرتى .. تعالى ياحبيبتى احتضنك .. إننى مرعوبة أن يضيع هذا الجسد الصغير منى .. خذى هذا الجنية  اشترى به حلوى .. لا لا .. دعى هذا الجنيه معى سأحتفظ به مع جنيه آخر حتى إن قامت الحرب قد ينفعنا هذا الجنيه حينما نركب ميكروباص لمدينة أخرى لم تكن الحرب قد بدأت فيها بعد.. لاشك أن سائقو الميكروباص سيطالبوننا بضعف الأجرة وسيحشروننا كتلا مضغوطة فوق بعض .. أبناء الشياطين .. إن سائقوا الميكروباص هم أهل الشر .. يريدون الحرب لينقلوا الناس من مكان لآخر ..يالهم من شياطين”!

 

وتمضي: “كل الناس أصبحوا شياطين و أبناء شياطين فحتى لو نمنا فى الشوارع فى المدينة الأخرى وأصابتك نوبة برد لن يكشف عليك طبيب فهؤلاء الأطباء يعملون ضد البلد ويتآمرون علينا.. هم أهل الشر نعم لما لا يكونوا هم أهل الشر وليس سائقو الميكروباص .. من يدرى ألم يتظاهروا هم الآخرون” ؟

 

“وحتى لو كشف أحد هؤلاء الأطباء الملاعين عليكى ياحبيبتى لن نجد ثمن الدواء .. لن يرضى أحد من هؤلاء الصيادلة أن يعطينا الدواء مجانا .. إنهم أهل الشر .. لما لا.. يريدوننا أن نموت ونمرض وتفتك بنا الحرب وتتقطع أذرعنا وأرجلنا وتفقأ أعيننا ليبيعوا المزيد من الأدوية .. هم جشعون بالفعل .. إنهم لم يكتفوا ببيع الأدوية بل أخذوا يبيعون مستحضرات إزالة الشعر .. تبا لهم وللشعر”!.

 

“لابد أن أفعل شيئا لوقف الموت .. ماذا أفعل .. آه غدا سيتظاهرون من أجل الفوضي وخراب البلد سأذهب باكرا لأعلن رفضي وأتمسك بحياتى .. حسنا ليس لدى مال ولكن لدى حياة لابد أن أحافظ عليها وسأحافظ عليها.. على الأقل أنا الآن أأكل وأشرب ولكن لو حدث الشر لن أجد مليما فمن الذى سيهتم وقتها بتغيير دهانات بيته أو بتركيب ستائر جديدة .. زوجى وابنى سيجلسان كما النساء” ..

 

“سأتصل بصديقتى لأعرف منها أين المظاهرات وسنذهب هناك آه لو أستطيع أن أقتلهم واحدا واحدا .. يارب لما لاتحرقهم يارب كلهم بمبيد من السماء .. إن تلك الشرطة تتركنا ولكنهم لا يريدوننا أن نرتكب جرائم خطرة.. حسنا سأكتفى بالبصق على هؤلاء أبناء ال …. و ……و …….و …….و ……..و ……..و ………و …….. و ………و……. وربما أضربهم بعكاز أمى الحبيبة ولكن لا لن أستخدم العكاز فربما يضيع وتغضب أمى .. سأخذ عصا خشبية من تلك العمارة اللعينة التى يبنونها مكان الخرابة المجاورة”!.

 

“إن غدا لهو موعدى مع أهل الشر .. هؤلاء الصحفيون الخونة العملاء .. إنهم يريدون تلك الحرب الملعونة لنظل نتابعهم ويعملوا هم ويجدوا المصائب يكتبون عنها وهم يريدوننا أن نموت .. حسنا الصحفيون هم أهل الشر .. لا ليسوا الأطباء يبدوا أن الأطباء جشعون وطماعون لكن ليسوا أهل الشر” !.

 

“ها هى المظاهرات سأبصق عليهم واحدًا واحدًا .. للأسف سيجف ريقي  .. أى أفكار خرقاء تلك التى أقولها أى شكوى من جفاف الريق .. ألا أخجل من نفسي وأنا أبخل بجفاف ريقي على أسرتى الغالية أليس هذا أفضل من أن يجف دم أحبائى آه ياأحبائى وعامة ليست مشكلة  سأشرب ماء” ..

 

“أنت ياهذا ياخائن ياعميل ” يامحنى ديل العصفورة .. صحافتنا عميلة ومأجورة” ياصحفى ياخائن ياعميل” ..

 

“أوه لقد صدمتنى تلك الحمقاء بقولها أن الذى بصقت فى وجهه هو أحد المحامين الذين جاؤا ليتضامنوا مع الصحفيين كما كان مكتوب على الافتة التى حملها ..ياإلهى كيف لم اكتشف أن المحامين هم أهل الشر .. طالما شككت فيهم .. هم لا يريدونني أن أبقي على قيد الحياة ألم يرفع ذلك المحامى ابن ال …….و ……..  قضية ليخرجنى من الغرفة التى أعيش فيها .. أخيرا عرفت أهل الشر .. ولكن الصحفيين هم من يطلقون هذه المظاهرات .. لم أعد أفهم لكننى سأبصق على كل هؤلاء بما فيهم صديقتى التى تعرف القراءة والكتابة .. إن القراءة والكتابة هى السبب فى الشر .. لأن كل إنسان لو عمل فى صنعة وقضي يومه من أوله لآخره فى العمل سيأتى الليل وكل الناس متعبون فيجلسون فى منازلهم ولن يجدوا وقت لهذه المظاهرات وسنعيش فى سلام بعيدا عن الشر .. إن القراءة والكتابة هى السبب إذن .. الحمد لله أننى لم أضع عمرى فى المدرسة ..أحمدك يارب” !.

 

نعم عزيزي القارئ إن الفقر والجهل هو مصنع المواطنين الشرفاء.. وأصحاب المصنع هم أهل الشر الحقيقيين.

بقلم: وليد بدران

www.facebook.com/ibuyeg

التعلقات

جميع حقوق النشر محفوظة
التخطي إلى شريط الأدوات