جميع حقوق النشر محفوظة

جلال أمين يكتب: ذكريات عن مترو حلوان

حلوان

الكاتب جلال أمين

عندما أستعيد فى ذهنى ذكريات خمسين عامًا مضت على بدء ركوبى المنتظم لقطار حلوان، أجد أنى مازلت أذكر جيدًا منظر بعض ركاب المترو، ممن كانوا يعملون فى منتصف الستينيات فى بعض مصانع حلوان، المصانع الحربية أو مصنع الحديد والصلب، فى طريق عودتهم إلى منازلهم بعد الظهر، أظن أن الذى جعلنى أعود إلى تذكر وجوه هؤلاء الركاب رغم مرور هذا الزمن الطويل، هو المفارقة الشديدة بين هذه الوجوه ووجوه كثيرة تعاقبت على المترو بعد ذلك، فى سنوات ما بعد الانفتاح، وعلى الأخص فى الثلاثين سنة الأخيرة، كثيرًا ما أسأل نفسى: هل هناك حقًا علاقة بين ما كان يبدو على وجوه عمال المصانع فى الستينيات من ثقة بالنفس، ورضا عنها، وتيقظ الحواس (حتى فى الساعات التالية لانتهاء عملهم بالمصنع) وتحضر سلوكهم مع بقية الركاب، رجالًا أو نساء، بالمقارنة بما أخذ ينتشر على وجوه كثير من الركاب بعد ذلك، من تبرم بالحياة وبالناس، أو محاولة جذب أنظار المحيطين بهم، بالمبالغة فى إظهار الورع والتقوى، والتظاهر عمومًا بعكس ما يدور فى أذهانهم.

 

لا أظن أنى أبالغ فى تصور ما حدث للنفسية المصرية (أو على الأقل فى نفسية شرائح معينة من المجتمع المصرى) نتيجة لتغير السياسة والظروف الاقتصادية.

 

لم تكن مشكلة البطالة من مشكلاتنا الإقتصادية المهمة فى منتصف الستينيات، حينما كانت جهود التصنيع على أشدها، وكانت الدولة تفى بالتزامها بتعيين خريجى الجامعات، أيًا كانت الكلية التى تخرجوا منها، ربما كانت قد بدأت تظهر مشكلة انخفاض الإنتاجية فى مصالح الحكومة وبعض شركات القطاع العام، ولكن حتى هذه كانت على نطاق ضيق قبل أن تنخفض الاستثمارات العامة بشدة (كما حدث فى أعقاب هزيمة 1967)، ومن ثم اضطرت الحكومة إلى تعيين كل من هب ودب فى وظائف لا فائدة منها إلا صرف مرتبات يتعيش المواطنون منها، إنى أميل إلى أن أجد علاقة بين التغير الذى طرأ على نفسية ركاب المترو، والانتقال من مجتمع «منتج» إلى مجتمع يعيش عالة إما على الدولة أو على الخارج، وأن أجد فى هذا الانتقال سببًا للتحول من شعور بالثقة، والرضا عن النفس، والتعبير الصادق عما يدور بالذهن إلى شعور بالإحباط وفقدان الثقة بالنفس والتظاهر بغير الحقيقة.

 

لهذا السبب أيضًا (انخفاض معدل البطالة) لم تكن قد ظهرت بعد فى قطار حلوان ظاهرة الباعة الذين يتجولون بين العربات كوسيلة لكسب الرزق، نعم كان يظهر بين الحين والآخر بعض باعة الصحف، يعرضون الصحف المسائية بسرعة ثم يقفزون من القطار قبل أن يبدأ فى السير، ولكن مثل هذا كان شيئًا نادرًا حتى بدأ معدل البطالة يرتفع فى الست أو السبع سنوات التالية لهزيمة 1967، وأخذ فى الظهور فى القطار من يحاول بيع سلع تافهة كأمشاط رخيصة للشعر أو نعناع أو مناديل ورقية، مما كان يدفع بعض الركاب للشراء من باب العطف فقط، تلت ذلك عشر سنوات انخفض فيها معدل البطالة بشدة بسبب هجرة كثيرين من الباحثين عن عمل إلى دول الخليج للإفادة من ثروة البترول التى زادت بشدة ابتداء من منتصف السبعينيات، مما جعل بعض الاقتصاديين المصريين يعبرون عن شكواهم، لا من العمالة الزائدة عن الحاجة، بل من ندرتها، ولهذا السبب، عندما جاء مترو الأنفاق (فى 1987) بنظام جديد يمنع منعاً باتاً وجود أى بائع جوال عن الصعود إلى القطار، كان تنفيذ هذا النظام سهلاً فى البداية، ولكن سرعان ما أخذت البطالة فى الزيادة فى نفس الوقت الذى جاء فيه مترو الأنفاق.

 

منذ ذلك الوقت اشتد الكرب، ومن ثم كان لابد أن يصعد إلى عربات المترو (سواء كان يجرى تحت الأرض أو فوقها) أعداد متزايدة من الباعة الذين يعرضون مختلف أنواع السلع، من الحلويات إلى الولاعات والبطاريات، بل وحتى بعض الملابس الداخلية للسيدات فى العربات المخصصة لهن.

 

استجاب الركاب لهذه الظاهرة بسبب احتياجهم أيضًا إلى شراء الأصناف الرخيصة، ومن ثم فقدت إدارة المترول شيئًا فشيئاً، الأمل فى منع هذا من الحدوث، ثم تكاثر الباعة الجالسون على السلم الخارجى المؤدى إلى القطارات، وعلى الأرصفة الملاصقة للمحطات، بمن فى ذلك بائعو الملابس المستعملة من أصناف رخيصة صنعت فى آسيا، (كل شىء بخمسة جنيهات) ثم زادت وانتشرت حتى سدت بعض الشوارع الرئيسية أمام السيارات (إذ إن حاجة البائعين والمشترين إلى البيع والشراء أقوى بلا شك من حاجة معظم أصحاب السيارات للوصول إلى هدفهم).

 

مازلت أذكر أيضًا المساحات الخضراء التى كانت تمتد على طول الكورنيش، إبتداء من المستشفى العسكرى فى أول المعادى إلى بداية مصر القديمة، ثم غزت المبانى بمختلف أنواعها، هذه المسافة الطويلة قضت على أى مساحة خضراء مهما كانت صغيرة (على الأقل ما يمكن رؤيته من نافذة القطار) من بين هذه المبانى التى بنيت فى هذه الفترة عمارات شاهقة جميلة، ولكن معظمها مبان من ثلاثة أو أربعة أدوار، لم يجر طلاؤها من الخارج على النحو الذى نشاهده فى مساحات شاسعة فى أحياء أخرى فى القاهرة وخارجها (مما لم يكن مألوفا فى الخسمينيات والستينيات) إذ ظهرت حوائطها بالطوب الأحمر والأسمنت دون أى محاولة لأى تجميل، وكأن المقصود فقط هو بناء أى شىء صالح للسكن مادام يحمى السكان من الجو الخارجى، كان هذا مفهومًا تمامًا كوسيلة للاقتصاد فى النفقات، ولكن المدهش ما انتشر على أسطح هذه المبانى من أطباق لاستقبال القنوات الفضائية التى تقدم برامج للتليفزيون.

 

المنظر مدهش حقًا، فكثافة هذه الأطباق وانتشارها على هذا النحو، على الرغم من تواضع المبانى يدل على إصرار لا شك فيه على الحصول على هذه المتعة من متع الحياة، أو على هذه الوسيلة الرخيصة نسبيًا من وسائل التسلية، حتى ولو اضطر أصحابها للاقتصاد فى الإنفاق على أى شىء آخر، ولكنى سرعان ما اكتشفت أنه ليس هناك شىء مدهش على الإطلاق فى الاقتصاد فى الإنفاق على المأكل والمشرب والملبس فى سبيل مشاهدة برامج للتليفزيون، ذلك أن الحاجة البيولوجية التى يلبيها تناول الطعام أو الشراب أو ارتداء الملابس قد لا تمثل إلا قدرًا ضئيلاً جداً من إجمالى ما ننفقه على هذه الأشياء، والباقى ينفق على هذه الأشياء بغرض الحصول على رضا الناس أو احترامهم، وهو نفس ما يمكن الحصول عليه عن طريق مشاهدة التليفزيون أو شىء قريب جدًا منه.

التعلقات

جميع حقوق النشر محفوظة
التخطي إلى شريط الأدوات