جميع حقوق النشر محفوظة

أسماء راغب نوار تكتب: أزمة الـ”ربع جنيه” في المكروباص

ربع جنيه

صورة أرشيفية

جلست بجوارى سيدة وأنا راكبة الميكروباص بينما كنت مشغولة البال بكتاب بين يدى لدرجة منعتنى من التواصل بالعين معها عندما ناولتها جنيهًا ونصف الجنيه للأجرة لتتولى هى مسئولية إيصالها للسائق، فإذا بها تقول لي: “إذن لكِ ربع جنيه”.

ربع جنيه

كنت نصف واعية لما يجرى حولى وما كان ينبهنى هو صوت بعض الركاب عندما علت أصواتهم بعض الشىء وهم يطالبون بباقى الأجرة من النقود وقد انضمت لهم جارتى فى الركوب مطالبة بـ”ربع جنيه لنا هنا”على حد قولها، فانتبهت أكثر وأنا أتأمل ما يحدث، فإذا بها تقول لي: ” لا تشغلى بالك وخليكِ فى القراية وأنا على أجيب ربع الجنيه”.

 

رفعت عينى عن الكتاب ونظرت إليها وابتسمت لها ابتسامة عريضة تسللت إلى كل خلايا جسمي، فردت على بالابتسامة ذاتها ثم قالت لى: “أنتِ مستغربة؟ لا تستغربي؛ إذا كان ربع الجنيه لا يمثل شيئًا يُذكر لكِ فالعكس تمامًا بالنسبة لي”.

 

كنت لا أزال مبتسمة ولم أنبس ببنت شفة وهى تعيد على السائق: “فيه ربع جنيه هنا لنا يا أسطى”.

 

أوشك السائق أن يلتفت إليها ليقول لها: “وما لكِ أنتِ؟.”طبقًا لفكر “الأنامالية” وعبارته الدارجة “وأنا مالي” السائدة فى أغلب الأحيان، لكنه لم يفعل. فَلَو فعل؛ كنت على استعداد للرد عليه إذا وجه لها أى لوم بأن أخبره أننى وكلتها.

 

فقد كنت أقول فى نفسى إننى لا بد وأن أنصر قضيتها التى كانت تُختصر فى الإتيان بربع الجنيه فى ذلك الموقف.

 

وقد حدث بالفعل أن انتصرت قضيتها وسلمتنى ربع الجنيه، وتبادلنا الابتسامات العريضة، التى تميز الإنسان عن غيره من المخلوقات، من دون كلام وكأنه انتصار فعلى فى معركة.

 

هدأت نفسها واشتعلت نفسى من جراء اجترار مواقف شتى شاهدتها فى الميكروباصات تلك المواقف التى تذكرنى بقلة حيلتى لافتقارى إلى القوة الخشنة.

 

أذكر من بين هذه المواقف: عندما نادى سائق الميكروباص، مرات، أن الأجرة جنيه ونصف بدلًا من جنيه وربع بحجة ارتفاع سعر البنزين، مع العلم أنها كانت جنيهًا واحدًا قبل ظهور أزمة البنزين (أى زادت بمقدار 50?)؛ عارضه اثنان من الركاب تبدو عليهما رقة الحال أو لنقل بؤس العيش فى صوت خفيض بقولهما: “كيف هذا.. إن الأجرة جنيه وربع؟!!”فرد عليهما بكل صلف: “اللى مش عاجبوا ينزل”.

 

فأود مساندتهما وتقديم أى دعم لإيقاف هذا الجشع لكنى أفشل بسكوتى وكتم غيظى من استهانة أغلب الركاب بقيمة ربع الجنيه، الأمر الذى يعزز من موقف السائق ومن ثم يصر على موقفه بعجرفة شديدة فيخضع الراكب الفقير لما أقره السائق ووافق عليه أغلب الركاب الذين قدموا لى جرعة لا بأس بها من الخزى فأتشربها على مضض واستكراه حتى أحتمل شتى المواقف المشابهة فى الميكروباصات.

 

وفى نفس الوقت أشعر بضعفى وقلة حيلتى لافتقارى للقوة الخشنة اللازمة لمواجهة جشع سائقيها. أذكر أيضًا مرات يفرض فيها السائق أعلى قيمة للأجرة من تلقاء نفسه فيتبعه غيره من السائقين فى نهم طلب المال. وأعنى بأعلى قيمة للأجرة أنه من المتعارف عليه فى عُرف الميكروباصات أن الأجرة مصنفة حسب المسافة.

 

لكن إذا هوى أحد السائقين جمع المزيد من المال ذات صباح أو مساء، فرض أجرة موحدة وهى تلك المُستحقة لأكبر مسافة. فرض السائق ولم يعترض أحد من أصحاب القوة الخشنة الذين ما عليهم إلا الاستهانة بقيمة ربع الجنيه وأحيانًا يستهجنون اعتراض الفقراء على هذا الأمر.

 

فرض السائق وما على الفقير إلا الرضوخ والاستسلام لرأى الأغلبية التى لا تضعه فى الحسبان، وإن لم يرضخ صار منبوذا !! والجدير بالذكر أنه عندما ارتفع سعر لتر البنزين زادت الأجرة بمقدار نسبة ارتفاع ثمن اللتر وكأن على كل راكب تحمل هذه الزيادة بمفرده على الرغم من أنه لا يقل الميكروباص بمفرده!! هل تُعقل هذه الحِسبة؟ أى منطق صاغها؟ إنه منطق جشع سائقى الميكروباصات الذى يحكم ولا يتصدى له إلا الفقراء وهم لا يستطيعون وحدهم.

 

وبذلك أدعو أصحاب القوة الخشنة أن يساندوا الفقير إن شاءوا ولو بالدفاع عن حقه فى ربع جنيه، أو يتصدوا لجشع سائقى بعض الميكروباصات إن أرادوا.

www.facebook.com/ibuyeg

التعلقات

جميع حقوق النشر محفوظة
التخطي إلى شريط الأدوات